السيد علي صدر الدين المدني ( ابن معصوم )
52
رحلة ابن معصوم المدني ( سلوة الغريب وأسوة الأريب )
مثل عنق الشاة فإذا ثمرها عنبر ، قال فتركناه حتى يكبر فنأخذه ، فهبّت ريح فألقته في البحر . وقيل : إنّه روث دابة ، وقيل : إنّه من غثاء البحر . قال الزمخشري : سمعت ناسا من أهل مكة يقولون : هو من زبد البحر ، وقيل : إنّه يأتي طغاوة على الماء لا يدري أحد معدنه ، فلا يأكله شيء إلّا مات ، ولا ينقره طائر إلّا بقي منقاره فيه ، ولا يقع عليه إلّا نصلت « 1 » أظفاره فيه ، وقيل : إنّ بعض دواب البحر تأكله لدسومته فتقذفه رجيعا ، فيوجد كالحجارة الكبار يطفو على الماء فتلقيه الريح إلى الساحل . وذكر المسعودي : إن العنبر يقذفه البحر كأكبر ما يكون من الصخور . وقال ابن سينا : أجود العنبر الأشهب ، ثم الأزرق ، ثم الأصفر ، ثم الأسود ، قال : وكثيرا ما يوجد في أجواف السمك الذي تأكله وتموت . والدابة التي تأكله تدعى : العنبر . قال المختار بن عبدون « 2 » : العنبر حار يابس وهو دون السمك ، وهو يقوّي القلب والدماغ ، ويزيد في الروح ، وينفع من الفالج ، واللّقوة ، والبلغم الغليظ ، ويولّد الشجاعة . لكنّه يضرّ من اعتاده ، وتدفع مضرّته بالكافور وشمّ الخيار ، ويوافق الأمزجة الباردة الرطبة ، والمشايخ . وأجود ما يستعمل في الشتاء ، قال : وجماجم العنبر أكبرها ألف مثقال ، تبرز من عيون في البحر وتطفو عليه ، وله زهومة « 3 » لابتلاع السمك ، ويتصفّى منه عند عمله رمل . والذي حقّقه صاحب الاختيارات : إنّه شمع ، قال : وكلّما كان أشدّ بياضا
--> ( 1 ) نصلت - هنا - بمعنى ثبتت . ( 2 ) هو أبو الحسن المختار بن الحسن بن عبدون ، الطبيب المشهور بابن بطلان . في تاريخ وفاته أقوال منها سنة 441 و 444 و 461 ه ( هدية العارفين 2 / 422 ، ومعجم المؤلفين 12 / 210 ) . ( 3 ) الزهومة : الدسومة ، وريح لحم دسم منتن ، والزهم ( بالضم ) : الطيب المعروف بالزباد .